تاريخ

يا الله يا أبو عمار، إن كنت أنت بتطلع هيك من الشام، والله ما بعرف كيف أنا بدي اطلع.. يمكن في كفن”!

الحدث بوست ـ متابعات

يا الله يا أبو عمار، إن كنت أنت بتطلع هيك من الشام، والله ما بعرف كيف أنا بدي اطلع.. يمكن في كفن”!

يعجب واحدنا، حين يلاحظ ميلاً من أي طرف عربي، إلى تأييد نظام بشار الأسد في سورية. لكن بعض عاطفة الميل، عندما تتبدّى من فلسطينيين، فصـ.ـائليين أو رسميين أو مثقفين؛ ترفع العجب إلى سوية الاندهاش، لأن هذا النظـ.ـام لم يدع شيئاً لم يفعله، لكي لا تكون هناك كيـ.ـانية فلسطينية،

ولكي لا تكون هناك حر.ب تحر.يرية، أو عملية تسـ.ـوية تستند إلى مواضع القـ.ـوة العربية وزخمها. وفي سياقه هذا، لم يتورّع عن القتل، ولا عن التحـ.ـالف مع قوى صديقة لإسـ.ـرائيل، ولا عن ممارسة الدسيـ.ـسة ضـ.ـد حـ.ـركة التحرر الفلسطينية في العالم العربي، ولا عن شق المؤسسات الفلسطينية لمنـ.ـظمة التحـ.ـرير،

لكي يصبح جيـ.ـش التحـ.ـرير جيـ.ـشين، واحد له والآخر لفلسطين، ويصبح الاتحاد العام للكتاب والصحافيين اثنين، واحد له والآخر لفلسطين، وهكذا اتحادات الفلاحين والمهندسين والأطباء وسائر الاتحادات التي تمثل، مجتمعةً، القاعدة الشعبية النوعية لمنـ.ـظمة التحـ.ـرير الفلسطينية.

كذلك يكاد لم يفلت ناشـ.ـط فلسطيني، من القادة والساسة والكوادر العسـ.ـكرية والنقابية، من السجـ.ـن السوري، مادام يعمل في فضاء النفوذ السوري. ومن المفارقات الطريفة أن هذا النظام لم يكتف بمن يوجدون من الفلسطينيين، في مساحات نفوذه،

وإنما أعدّ قوائم انتظار، في مطار دمشق، لمن لا يُتوقع وصولهم. وحدث، مرة، أن المرحوم فيصل الحسيني كان متجهاً إلى موسكو، على متن إحدى طائرات الخطوط الجوية،

ففوجئ بأن هناك ليلة توقف وانتظار في مطار دمشق، فأرسل له مكتب “الجـ.ـبهة الشعبية لتحـ.ـرير فلسطين” مندوبه لدى سلطـ.ـات المطار، لكي يؤمن له مبيت ليلته،

ليُفاجأ المندوب الفلسطيني بأن هناك أمر إلقاء قبـ.ـض على فيصل الحسيني في أي وقت تطأ فيه قدماه أرضاً سورية، ما اضطر مندوب “الجـ.ـبهة” إلى مهاتفة المرحـ.ـوم جورج حبش، الذي هاتف حافظ الأسد، لكي يأذن للرجل بالرحيل على أية طائرة!

سجون وفظائع ووقائع

من المفترض ألا يكون المحيطون بأي قدر من وقائع التاريخ القريب في حاجة إلى من يذكّرهم بمحطاتٍ من صفحات العلاقة بين النظـ.ـام السوري والحـ.ـركة الوطنية الفلسطينية.

ذلك لأن أصل العلة، في جفاء بعضهم ثورة الشعب السوري ضد نظامٍ، لا نظير له في الاسـ.ـتبداد والفـ.ـساد، يستند إلى فرضية خاطئة، هي أن هناك طرفاً يصح أن يعتبروه أبشـ.ـع وأقـ.ـبح من النظـ.ـام السوري، وهذا غير صحيح، على الرغم من كل دسـ.ـائس “يوتيوب” ومقاطعها،

وعلى الرغم من كل وقائع الشطط في ممارسات متطـ.ـرفين من المعـ.ـارضة. فكل هؤلاء، مهما فعلوا مجتمعين، لن يكونوا قادرين على إنتاج أنموذج يحاكي جهنم التي ظل يمثلها سجـ.ـن تدمر على مدى ثلث قرنٍ وأكثر.

بل إن مشاعر أكثر المتطـ.ـرفين جنوناً لن تقوى على ممارسة تعـ.ـذيبٍ يوميٍّ لإنسان، على امتداد عشرين عاماً متصلة، لمجرد كونه بعـ.ـثياً من أتباع الحز.ب في بغداد، أو من الإخـ.ـوان المسلـ.ـمين الشباب،

أو شيـ.ـوعياً من جماعة رياض الترك، أو ناصرياً من حزب “الاتحاد الاشتراكي العربي الديموقراطي” الذي يتزعمه حسن عبد العظيم، أو من غير هؤلاء الذين يمثلون كل ألوان الطيف السياسي في سورية.

فعلى أي أساسٍ يُمتدح بشار الأسد فلسطينياً، ولأية غاية؟ ربما يكون الجواب مغرقاً في السذاجة، واختبرته الأحداث، وأكدت أنه فاقد للمعنى، وهو أن الهدف حماية الفلسطينيين في سورية.

هنا، وبصرف النظر عن الخلل المبدئي، في تلفيق التعليل، وهو أن يرى عربي أن استثناء الفلسطينيين من مقـ.ـتلة إخوتهم السوريين، فيه شفاء ونجاة لفلسطين.

لندع هذا الخلل جانباً، ولنتأمل ما حدث للفلسطينيين في مخيم اليرموك، وفي السجون التي قتـ.ـلوا فيها تحت سياط الجـ.ـلادين. فعلى الرغم من مأسـ.ـاة الفلسطينيين المهولة، كان بعضهم ينسب الفظـ.ـائع، أو أسبابها،

حتى عندما يكون مرئياً ومعلوماً أن جيش الأسد هو الذي اقترفها؛ إلى مجرد وجود معـ.ـارضةٍ مسـ.ـلحةٍ في المخيم الواقع في قلب مساحة الصـ.ـراع.

فمن خلال الاتصال مع أي فلسطيني مشردٍ من مخيم اليرموك وسواه، يسمع الحقيقة، بينما المتعاطفون مع النظام، من الفلسطينيين، يؤيدون رواية النظـ.ـام، وهم يعرفون أنه يتنفس كذباً في كل شيء.

حافظ الأسد واسـ.ـتهداف عرفات

حبذا لو توفر الدارسون على البحث في حقائق الرحلة الطويلة لياسر عرفات، ربان السفينة الكنعانية، والتقوا شهوداً ما زال كثيرون منهم أحـ.ـياء يُرزقون.

على هذا الصعيد، يجعلنا المقتضى السياسي والوطني الراهن في حاجة إلى أخذ تجربتين مهمتين للشـ.ـهيد عرفات، أولاهما تجربته في الثـ.ـورة المسـ.ـلحة، والثانية تجربته مع العمـ.ـلية السـ.ـلمية،

ولماذا وكيف تعمد الطرف الصهـ.ـيوني استهـ.ـداف الرجل الذي جعل التسوية المتوازنة هدفاً استراتيجياً، علماً أن مثل هذه التسوية، في أفضل شروطها بالنسبة للفلسطينيين، ستحقق لكـ.ـيان غـ.ـاصب،

قام على البـ.ـاطل؛ شروط وجوده الآمـ.ـن، وانخـ.ـراطاً طبيعياً في المنطقة، وجيرة سلمية مع دولة ضحـ.ـاياه، بمعايير ووقائع سفـ.ـك الد.م أو انتـ.ـهاب الحق.

من خلال البحث التفصيلي، سيرى الباحثون، بما لا يدع مجالاً للشك، أن تصنيف النظام الأسدي ياسر عرفات نسخة كربونية من تصنيف إسـ.ـرائيل له. كان حافظ الأسد، حتى وفـ.ـاته، يرى في ياسر عرفات “عقبة ينبغي إزالتها”. وكانت تلك هي رؤية المحـ.ـتلين بالحرف وبالوصف.

فقبل أن يمسك حافظ الأسد بمقاليد الحكم في سورية، إثر انقـ.ـلاب نوفمبر/تشرين الثاني 1970على الحزب، كان ياسر عرفات ودوره من نقاط التكاثر بين البعث ورجلٍ عسكريٍّ بعينه، قويٍّ ضمن مجموعته، هو حافظ الأسد نفسه.

كانت القيادات المدنية (أطباء ومناضلون ضمن الخط اليساري من الحز.ب)، ومعها عسـ.ـكريون ملتزمون بهذا الخط؛ تطمح إلى احتكار القضـ.ـية الفلسطينية سياسياً وعقـ.ـائدياً. أما حافظ الأسد، فكان يريد جعل المقـ.ـاومة الفلسطينية ورقة في جيبه، تدعم خطـ.ـطه التكتيكية وطموحاته ودوره داخلياً وخارجياً.

من هنا، نشأ في سورية مبدأ الاستحواذ على الورقة الفلسطينية. ففي مناخ التمـ.ـاكر بين المراتب العسـ.ـكرية وأفرعها، اعتـ.ـقل ياسر عرفات، للمرة الأولى، بتهـ.ـمة “التحضير لأعمال تخـ.ـريبية”،

بينما كان يفعل ذلك بموافقة رسمية. في ذلك السياق، كان ضرورياً للأسد أن يبلغ عرفات الذي تفاهم مع أحمد سويدان، أنه هو، وليس الأخير، صاحب القرار العسـ.ـكري، وبالتالي، فإن ورقة “فتح” مطلوبة لجيبه هو!

أبو عمار، بدوره، وعلى امتداد خط زمني ملغم، تمسّك بمبدئه، وهو أن تبقى البنـ.ـدقية الفلسطينية، والقرار الفلسطيني تالياً، في وضعية الاستقلال التام عن جميع الأنظـ.ـمة العربية، وأن تنأى الثـ.ـورة الفلسطينية عن الصـ.ـراعات بين هذه الأنظمة، وكذلك عن النـ.ـزاعات الداخلية في كل قُطر!

“كان ياسر عرفات ودوره من نقاط التكاثر بين البعث ورجلٍ عسكريٍّ بعينه، قويٍّ ضمن مجموعته، هو حافظ الأسد نفسه. كانت القيادات المدنية، ومعها عسكريون ملتزمون بهذا الخط؛ تطمح إلى احتكار القضية الفلسطينية سياسياً وعقائدياً.

أما حافظ الأسد، فكان يريد جعل المقاومة الفلسطينية ورقة في جيبه” يحتاج الباحثون (وإن كانت الأرشيفات العربية مغلقة) إلى دراسة وقائع المحاولات الأولى لاغـ.ـتيال ياسر عرفات.

جرت محاولات سورية كثيرة لتغييب الرجل، تقول المصادر إن أولاها كانت في العام 1966، وتلك رواية مختلفة عن حكاية اعتقال قيادة “فتح” الموجودة في سورية، في نوفمبر/تشرين الثاني 1966على إثر مقتل النقيب يوسف عرابي، البعثي الذي انضم إلى “فتح” مع مجموعة ضباط، لكي يسيطروا على الحركة!

أوقع التمسك النظام السوري بهدف السيطرة على القرار الفلسطيني ياسر عرفات في خصومة مزمنة معه. ولم يشفع للرجل لا نضـ.ـاله، ولا صفته زعيم حـ.ـركة تحـ.ـرر،

ولا أهمية دوره الدولي والإقليمي، ولم يغفر له حتى صموده. بالعكس، كان صمود ياسر عرفات في بيروت، في 1982 سبباً في مفاقمة كـ.ـراهية النظام في دمشق له.

فعلى الرغم من أن إسـ.ـرائيل غزت لبنان، في أثناء التزام منظمة التحرير بوقفٍ لإطلاق النار؛ إلا أن الاجتياح بالنسبة لحافظ الأسد كشف عجز سورية ليس عن نجدة الثورة الفلسطينية وحسب،

وإنما عن نجدة وإطعام قطعاتها العسـ.ـكرية البرية على الأراضي اللبنانية. ولم يكن أبو عمار يقصد إغاظة أحد، عندما صـ.ـمد وظلَّ يتجول في بيروت تحت القصف، وقدّم مراراً، بنفسه، المعلبات والذخـ.ـائر والأغذية والخبز الساخن للجيش السوري. وعند مغادرته، انتقل إلى تونس.

وفي انعقاد المجلس الوطني في الجزائر (فبراير/شباط 1983)، حاول الأسد من خلال فصائل تابعة، توفير السبب القوي لشق منظـ.ـمة التحـ.ـرير الفلسطينية وإنهاء ياسر عرفات سياساً.

تغالظت، أيامها، لهجة التخـ.ـوين التي ما ظلت مستخدمة طويلاً. كان المؤتمر يناقش ما سمي “مشروع ريغـ.ـان للسلام”، وتوافق الفلسطينيون على رفضه، على أن يتركوا لياسر عرفات هامشاً للمناورة، بلغة فضفاضة.

هنا، فهم النظام السوري أن هذه مقدمة شراكة بينه وبين الراحل الملك حسين والأردن، وظن أنه لن ينال ما يطمح إليه، إن تلازمت الأردن وفلسطين.

وسرعان ما خرجت من أقبية المخـ.ـابرات العسـ.ـكرية السورية حـ.ـركة تمردٍ، استقوت بالسـ.ـلاح السوري وبالقطعات العسـ.ـكرية السورية، ووقعت، قبلها، جريـ.ـمة اغـ.ـتيال جنرال الصمود في بيروت، سعد صايل، (27 /9 / 1982) لأنه ذو السطوة الكبيرة على الضباط المكلفين بالتـ.ـمرد، والقادر على كبحهم.

وقيلت، أيامها، مطولات تخـ.ـوينية، وظن كثيرون أن “فتح” انتهت، وأن ياسر عرفات راح إلى الأبد. قُـ.ـصـ.ـفت المخيمات، وسُـ.ـفك د.م الفلسطينيين،

ووضع المسلسل الذي شهد، بعد عامين، مأساة انقضـ.ـاض حـ.ـركة “أمل” الدامـ.ـي على المخيمات الفلسطينية في بيروت، ذكّرت الشعب الفلسطيني بمأسـ.ـاة مخيم “تل الزعتر” التي انتهت فصولها (12 /8 /1976) في ذروة الحر.ب الأهلية اللبنانية وبدور الجـ.ـيش الأسـ.ـدي في ارتكاب المجـ.ـازر وتصفية المخيم.

المهم، أدهش أبو عمار حافظ الأسد، بالانتقال وسط تلك المعمعة، إلى سورية نفسها، تحت عنوان وفاقي، لكي يضمد الجـ.ـراح ويجمع المُضَـ.ـلَلين.

وكان عرفات رتب علاقة مع رفعت الأسد، شقيق حافظ، الذي كان في ذروة قوته، فاتكأ عليها في زيارته تلك. المهم، بعد أن أعد أبو عمار موكبه للانتقال من دمشق إلى طرابلس، لكي يُهدئ الأوضاع، في أثناء الهجـ.ـوم على المدينة، لم تقع عليه عين، لكي تعرف هل استقل السيارة، أم نزل تحت الأرض.

كان ظاهر الأمر، أنه خرج مع الموكب. تحرك الجميع من دمشق، وفي وسطهم سيارة الزعيم الفلسطيني (23 /6/ 1983)، وفي الطريق كان الكـ.ـمين في الانتظار، وربما هو نفسه الكمين الذي نفذ عمـ.ـلية اغـ.ـتيال سعد صايل.

انهالت قـ.ـذائف الآربـ.ـجي وزخات الر.صاص على السيارة، ثم تبين أن عرفات لم يكن فيها. ظهر الرجل فجأة، عندما دخل إلى الصالة التي ينعقد فيها مؤتمر الأدباء العرب في دمشق، لكي يلقي خطاباً حـ.ـماسياً مزدحماً بعباراته المتكررة، التي كلما أعادها بنبرته، بدت كأنها تُسمع للمرة الأولى!

لم يتبق أمام الأسد، آنذاك، سوى الطر.د الفصيح، لكي يتعامل مع ظاهرة عرفات عن بُعد. أُمرت طائرة الخطوط التونسية بأن تؤخر إقلاع رحلتها المنتظمة. كانوا، وقتها، يضعون اللمسات الأخيرة لصيغة إبلاغه بأمر الطرد، وتحديد مستوى الذين سيكلفون بإبلاغ ياسر عرفات بالقرار،

ومن ثم أخذه فوراً إلى المطار. ويروي الصحافي البريطاني، ألان هارت، المتخصص في “بانوراما الشرق الأوسط”، في كتابه “عرفات” أن القائد الوطني الكبير، جورج حبش “الحكيم”، كان في وداع أبي عمار في المطار، وعند الفراق، تعانق الرجلان، وهمس حبش في أذن عرفات: يا الله يا أبو عمار، إن كنت أنت بتطلع هيك من الشام، والله ما بعرف كيف أنا بدي اطلع.. يمكن في كـ.ـفن”!

كان ذلك قبل أن يُلقي الحاوي بأعجوبته التالية: الظهور فجأة في قلب طرابلس، وفي يوم العيد، كأنما حركته كانت ضمن تقاليد المعايدة المعتادة بين المقيمين في المدينة.

بدا رابط الجأش، وانطلقت التحليلات والتوقعات، فأكّد مؤرخ “الأسدية”، باتريك سيل، أن الرجل أدخل نفسه بنفسه إلى المصيدة: إسرائيل تحاصر من وراء، والنشامى من أمام.

اختلفوا يومها على عدد الأيام التي تبقت لياسر عرفات من الدنيا. باتريك سيل لم يعطه غير ساعات، يتلقى الفلسطينيون بعدها النبأ الفاجع. أما الأسد نفسه فقدرها بثمانية أيام مقسمة إلى أربعتين، واحدة لمخيمات شعبه، وواحدة لياسر عرفات ومن معه!

أخطأت التوقعات، وأمضى الزعيم الفلسطيني والقائد أبو جهاد ثلاثة أشهر، في إدارة معركة الدفاع عن الثورة وعن المخيمات وعن القرار الفلسطيني وعن أهل طرابلس. وتكشفت، أيامها، الأمور، إذ بقي المنشقون الدُمى، والفصائل الدُمى، خارج دائرة الاتصالات، وانتهت الواقعة بخروج ياسر عرفات بحراً من طرابلس، يوم 19 /12 /1984 بموجب اتفاق!

لم ييأس ياسر عرفات من محاولة إقامة علاقات طبيعية، غير خضوعية، مع حافظ الأسد، إلا أن الأخير أعلنها خصومة مفتوحة، دونما حاجة إلى شرح أو إلى تبريرات.

ومنذ واقعة طرابلس، بدأت واحدة من أبشع حملات التنكيل في التاريخ العربي كله، طالت منتسبي حركة فتح وكوادرها وفلسطينيين غير منتمين لها في سورية.

وباعتبار سورية إقليماً شهد بدايات الارتكاز العلني لقوات الحركة، وكان القطر الذي امتزجت فيه فتح مبكراً بقاعدتها الاجتماعية، في مخيمات الفلسطينيين؛ فقد كان عدد المعتقلين كبيراً، وتعرض المسجونون للتعذيب الوحشي الذي ذاقت ويلاته كل ألوان المعارضة الوطنية السورية، من بعثيين سابقين ويساريين وشيوعيين وناصريين وإسلاميين.

يحدث في لبنان

لم يكن ثمة قانون، ولا جمعيات حقوق إنسان، ولا مدونات إنترنت، لكي تكبح جماح هؤلاء الوحوش، أو تفضحهم. وسيكون في وسع باحثين في التاريخ الاجتماعي الفلسطيني أن يغترفوا من مئات الحكايات التي تعرضت لها الأسر الفلسطينية. ولا نبالغ حين نقول إن بعض المسجونين خرجوا أشباه آدميين على وشك الموت،

وأفرج عنهم عمداً، لكي يكونوا عبرة لغيرهم. وبعضهم لم يعثر على زوجته وأطفاله، وخصوصاً أولئك من ذوي الأسر الصغيرة التي ليس لها امتدادات في المحيط الاجتماعي الذي هو المخيم، لأنهم جاؤوا أصلاً إلى غاية النضال، إذ تم تصريف وجهة الأسرة إلى مآلاتٍ أخرى، تقشعر لها الأبدان،

وفي بعض الحالات، كانت الإناث من الأطفال، بعد أن تعرضن للفاقة ولضغوط حقيرة من جلاوزة النظام الفاجرين، وجدن أنفسهن في الطرق الحرام، لتحطيم رب الأسرة إن كُتبت له نجاة. وكان مجرد تلقي المخصص المالي من “فتح” تهمةً تذهب بصاحبها إلى السجن، لكي يُنسى فيه.

في الوقت نفسه، كان الحكم اللبناني، المتوافق مع النظام في دمشق، يضيّق الخناق على الفلسطينيين في مخيماتنا في لبنان، ويطبق بالحذافير منع الاشتغال في نحو ثمانين مهنة، ويطارد منتسبي الحركة الوطنية الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، أيضاً،

كانت المصالحات في أوجها مع عملاء ومجـ.ـرمي حرب، وقتـ.ـلة ومـ.ـهربي مخـ.ـدرات، من المليشـ.ـيات المسـ.ـيحية المتحـ.ـالفة مع إسـ.ـرائيل، كإيلي حبيقة ومن معه وضباطٍ ومشتغلين في السـ.ـموم عديدين. فقد كان سهلاً على النظام السوري أن يستوعب “استقلالية” العميل، ويغفر للخـ.ـائن خـ.ـيانته، ويفتح أبواب دمشق بالترحاب لهؤلاء،

وأن يتمسك في الوقت نفسه باستحالة التصالح مع ياسر عرفات، لسبب واحد، هو إصراره على استحواذ الفلسطينيين على قرارهم الوطني المستعاد، إذ عندما ضاعت فلسطين، كان خلو يد الفلسطيني من قراره الوطني أحد أسباب الكـ.ـارثة. كان عرفات جاهزاً للانفتاح على أمته، وقادتها في نطاق المشورة!

في يناير/كانون الثاني 1994، اغتنمها ياسر عرفات فرصة، لكي يلتقي بحافظ الأسد في مأتم نجله الأكبر باسل. لم يستطع عرفات أن يفتح ثغرة في موقف الأسد.

بعد عامين، ذهب “أبو عمار” إلى القرداحة، لتعزية الأسد في وفاة والدته، وظل موقفه كما هو لم يتبدل، حتى عند مواجهة عرفات الأخيرة الشاملة مع الاحتلال، ثم تصدّيه لانقلاب إسرائيل على التسوية بإطلاق المقاومة. لم يتغير موقف الحكم في سورية. بالعكس، ازداد تحفزاً للهجوم على عرفات!

وفي تجربة المقـ.ـاومة، لم يتغير الموقف الأسدي كون الرجل يقـ.ـاوم. فما حدث أن الراحل عرفات، لم يكن هدفاً لمحـ.ـاولات تصـ.ـفية سياسية، مثلما كان، وهو محاصر في “المقاطعة”، وجاءت ذروة استهدافه بالتصـ.ـفية السياسية، متلفزة وعلى رؤوس الأشهاد، لكي يصبح “غير ذي صلة”، عندما منعه الحـ.ـاكمون في دمشق من إلقاء كلمته، في قمة بيروت، عبر تقنية “الفيديو كونفرانس”.

استشهد أبو عمار و”زالت العقبة” التي تكفل المحـ.ـتلون بتصفيتها جسدياً، بعد أن أسهم النظـ.ـام الأسدي في إضعاف عرفات سياسياً، في أثناء الحصار، حتى بات نادراً أن يرن هاتف الرجل المحاصر.

وبعد شهر من رحيل عرفات، استقبل الوريث بشار الأسد، الرئيس محمود عباس، في المكان نفسه الذي قوبل فيه “أبو عمار” بفتور، من بشار نفسه، عندما جاء يقدم له التعازي في مأتم أبيه. لم يتح للرئيس ياسر عرفات، في تلك المناسبة، أن يلتقي بشار على انفراد، شأن الرؤساء المعزين.

لكن بشار استقبل الرئيس أبو مازن ببشاشة، ربما ظناً منه أن القادة الفلسطينيين ينقلبون على أنفسهم، فتحاكم الصفحة الجديدة من سجل أسمائهم، الصفحة التي سبقتها وتُدينها. إن هذا ما كنا وما زلنا أحرص على دحضه. ولهذه الغاية، لا ينبغي أن يُمتدح النظام الأسدي!

المصدر: أوطان بوست + الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى