غرائب وعجائب

هل سمعت ب”هاشيما” اليابانية؟.. تلك الجزيرة التي تحولت من قمة التطور إلى قاع الفشل!

هل سمعت ب”هاشيما” اليابانية؟.. تلك الجزيرة التي تحولت من قمة التطور إلى قاع الفشل!

الحدث بوست _ منوعات

متابعات فريق التحرير

هل سمعت ب”هاشيما” اليابانية؟.. تلك الجزيرة التي تحولت من قمة التطور إلى قاع الفشل!

كثية هي القصص التي سطّرها التاريخ عن أشخاص انتقلوا من قاع الفشل إلى أعلى قمم المجد والعكس أيضا أشخاص كانوا في أعلى قمم ومراتب العز والنجاح تحولوا إلى فقر ممقت.

وهذا أيضا ينطبق على بعض الأماكن ربما واحد من أشهر التصنيفات الفنية هو تصنيف الدستوبي.

فالدستوبيا هي معكوس اليوتوبيا، اليوتوبيا هي المدينة الفاضلة، والدستوبيا هي المدينة التي طالها الخراب من كل جانب ووصلت فيها الإنسانية إلى أقصى درجات التعفن والتشظي.

اليوم سوف نتحدث عن جزيرة (هاشيما) اليابانية، تلك الجزيرة التي كانت في يوم من الأيام جنّة من جِنان السماء على الأرض ولوحة فنية صناعية بديعة، لكن الآن أصبحت أطلالًا ببحرٍ يلكمها كل يوم برياحه العاتية ومياهه الثائرة. تلك الجزيرة القاصية يُطلق عليها الآن ”مدينة الأشباح“، وهذا حقًا أنسب اسم معاصر لها.

فما قصة تلك الجزيرة وكيف تحولت من قمة المجد إلى قاع الفشل؟ هذا ما سنعلمه في مقال اليوم.

بداية الأسطورة

كانت (هاشيما) في البداية جزيرة قاصية وبعيدة من جزر اليابان العديدة والتي لا تهتم بها اليابان نفسها على الإطلاق، لكن من الناحية الأخرى رأت فيها شركة (ميتسوبيشي) الكُبرى فرصة عظيمة جدًا، فبالفعل اشترت الشركة الجزيرة من الحكومة اليابانية في عام 1890 بنية تحويلها إلى منجم فحم كبير جدًا، وبحلول عام 1898 حفرت الشركة منجمين كبيرين في الجزيرة كل واحد منهما طوله 199 مترًا بالكامل، وبحلول عام 1916 أنتجت الجزيرة حوالي 150 ألف طن من الفحم وساهمت بشدة في الثورة الصناعية التي شملت أوروبا والعالم كله.

لكن إنتاج كل ذلك الكم من الفحم يحتاج إلى أيدي عاملة أليس كذلك؟ وهذا هو مربط الفرس. فبحلول عام 1916 صار عدد العاملين في الجزيرة حوالي 3000 عاملًا، ولم يأتِ العمّال وحدهم بل برفقة عائلاتهم أيضًا، وصارت الجزيرة حيّة بشدة وبدأت البيوت فيها تُبنى بسرعة شديدة، وتم استغلال كل قطعة أرض فارغة بشكلٍ أو بآخر حتى أنه جاء البعض من خارج الجزيرة ليسكنوا فيها لأنها أصبحت حجر زاوية في الثورة الصناعية الجديدة التي ستجتاح العالم بأكمله.

ونتيجة لذلك قامت الشركة بتوسيع النشاط أكثر وأكثر، فلم تتوقف عند حفر المناجم ونقل المُعدلات وإسكان العمّال، بل قررت أيضًا بناء مصانع عملاقة لتصير المكان الأول في اليابان كلها الذي يشيد أبنية ذات طوابق متعددة وكثيرة مقارنة بالعاصمة طوكيو. فبينما كان من الممنوع أثناء الحرب العالمية الثانية بناء مبانٍ إسمنتية ذات عدد طوابق كبير نظرًا للمبالغ التي تُنفق عليها؛ كانت تلك الجزيرة بها بالفعل مبانٍ وصلت إلى تسعة طوابق بالتمام والكمال، بل أحاط بالجزيرة نفسها سور إسمنتي هائل جدًا جعلها كالحصن المُشيّد، وكل ذلك من أجل حاجة البلاد المُلحّة للفحم كوسيلة ضغط في الحرب.

ببساطة كانت الجزيرة إمبراطورية خاصة ومتفردة ولا تخضع لسلطة أحد ومُدارة بالكامل من قبل شركة (ميتسوبيشي) الصناعية، وبناء على كل ذلك أصبحت الجزيرة منحوتة على شكل سفينة حربية عظيمة، لذلك اكتسبت الجزيرة لقب «سفينة الحرب».

مرحلة الإعمار

زاد عدد السكان بشدة حتى تحولت الجزيرة من مدينة صناعية بحتة إلى مدينة حضريّة يمكن للجميع أن يسكنوها دون الحاجة ليكونوا أفرادًا منتمين إلى العمال الفعليين، فتم بناء أكثر من 30 مبنى إسمنتي كامل في المدينة، وتم فتح عشرات المحلات التجارية الكبيرة والمتنزهات ودور السينما وصالونات الحلاقة والمكتبات والصالات الرياضية والمطاعم والخمّارات وحمامات السباحة والمعابد وبيوت بيع الهوى وقاعات الرقص والمسارح، وكل شيء يخطر على بالك فعلًا.

أصبحت الجزيرة في لمح البصر تعج بالسكان، حيث وصلت كثافتهم إلى 83 ألف فرد في الكيلومتر المربع الواحد منها، مما أسفر عنه تعداد سكاني يفوق تعداد سكان طوكيو العاصمة بتسعة أضعاف كاملة، كلهم مضغوطون في تلك المساحة الصغيرة من الأرض.

ذلك الواقع جعل من الصعب جدًا على الشخص السير بحرية في المدينة إلا لبضع ثوانٍ ثم يجد نفسه أمام شخص ما ليصطدم به. زاد تعداد البيوت بشدة وقلّت جودتها بالمقابل، فصارت غرفة واحدة من القش والخوص والحصير تأوي عائلة من سبعة أفراد أو أكثر، فبالفعل لا يوجد حلّ آخر غير ذلك للعيش على ظهر تلك الجزيرة المكتظة بالكامل، كما أن الاعتماد الكامل على العالم الخارجي من أجل الماء والغذاء والمواد الأساسية؛ جعل المعيشة ليست بالسهلة، فقد كان الجوع يضرب سكان الجزيرة في كل مرة تشتد فيها الأمواج حولها مانعة القوارب الجالبة للمؤونة من الرسو، أضف إلى ذلك أهوال ومتاعب العمل في مناجم الفحم.

لكن من الناحية الأخرى شهدت الجزيرة في تلك الفترة أكبر قدر من الإنتاج السنوي للفحم في تاريخها حصرًا، فأصبحت تُنتج حوالي 410 ألف طن سنويًّا، لتصبح بذلك أهم المؤسسات الصناعية في العالم كله وقتها.

كان على عمال المناجم غالبا تحمل ظروف عمل قاسية ودرجات حرارة ومستويات رطوبة عالية على عمق ألف متر تحت الأرض وفي قعر المحيط داخل مهاوي المناجم التي كان يبدو عليها أنها ستزداد عمقا إلى ما لا نهاية، حيث كانوا عرضة للهلاك في أي لحظة بسبب الانهيارات، والدخان السام، والانفجارات الغازية، والانعدام شبه التام لمعايير واحتياطات السلامة.

يقدر أن حوالي 200 شخصا لقي مصرعه بشكل رسمي في ذروة نشاط هذه المناجم إلى غاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الرقم مؤهل للارتفاع كثيرا لاحقا كما ستعرف عزيزي القارئ.

مرحلة الحرب العالمية الثانية:

عندما خيم ظلام الحرب العالمية الثانية على العالم، أُرسل الكثير من الرجال ممن تم تأهيله على أنه قادر بدنياًّ، بمن فيهم سكان جزيرة (هاشيما)، للقتال في ساحات المعارك من أجل بلدهم اليابان، مما ترك فراغا في القوة العاملة على الجزيرة، ومن أجل التعويض وسد الفراغ، أمرت اليابان بوضع عدد كبير جدا من أسرى ومساجين الحرب الكوريين والصينيين للعمل في المناجم بشكل قسري، وأُجبر هؤلاء المساجين على تولي أصعب المهام وأخطر الأعمال في المناجم، كما تعرضوا لأوضاع معيشية أسوأ من التي كان يعيش تحتها سكان الجزيرة الأصليين، فقد كانوا يعيشون على حميات غذائية أقرب إلى المجاعة، وينامون في أماكن ضيقة وقذرة، ويجبرون على العمل داخل المناجم حتى تنهار أجسامهم وتستسلم للموت المحتوم.

يقال أن نسبة الوفيات بين هؤلاء العمال المساجين كانت خمسة في كل شهر، وكانت جثثهم تحرق في جزيرة (ناكانوشيما) القريبة، وكانت أعمدة الدخان الرقيقة المرتفعة عن جثثهم المحروقة فوق البحر البارد الرمادي تمثل تذكيرا على الموت المحقق وانعدام الأمل الذي امتازت به تلك المناجم.

منعت أمواج البحر القوية المتلاطمة على سور الجزيرة الشاهق الجميع، ماعدا الأشجع، على محاولة الفرار منها، والذين تجرأوا على ذلك ابتلعتهم أمواج البحر في نهاية المطاف. في النهاية هلك الآلاف على جزيرة هاشيما المشؤومة، والكثير من هذه الوفيات لم يتم توثيقها أو تُركت على شكل ملاحظات جانبية على سجلٍّ ما موضوع فوق طاولة ما ليذكِّر بالتاريخ الأسود لـ(هاشيما).

استمر الوضع على هذه الحال بالنسبة للمساجين إلى غاية سنة 1945 عندما ألقيت القنابل النووية على مدينتي (هيروشيما) و(ناكازاكي) التي لم تكن تبعد عن جزيرة (هاشيما) سوى 15 كلم، وتسببت موجة الصدمة التي ضربتها بزعزعة جدران المباني عليها، وبانتهاء الحرب العالمية الثانية بعد أيام من ذلك، أطلق سراح المساجين الذين أجبروا على العمل في مناجمها أخيرا.

مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية:

ازدهرت جزيرة (هاشيما) بعد السنوات التي تلت الحرب العالمية مباشرة، فقد كان الفحم الذي تنتجه محوريا جدا في إعادة إعمار البلد بعد هزيمته المذلة في الحرب، وجعلت كذلك الحرب الكورية بين سنتي 1950 و1953 اقتصاد اليابان ينمو بسرعة رهيبة، ودخلت بذلك مناجم الفحم في (هاشيما) حقبة ذهبية من تاريخها.

تحسنت الظروف المعيشية على الجزيرة بالنسبة للعمال وعائلاتهم الذين باتوا يجلبون معهم الآن بعض المعدات الإلكترونية مثل شاشات التلفاز والثلاجات وما إلى ذلك من وسائل الرفاهية والرخاء، التي كان مواطنو (هاشيما) المتواضعون في يوم من الأيام لا يتخيلون حتى أنفسهم يملكونها.

تم إمداد الجزيرة كذلك بالمياه بشكل دائم لأول مرة في تاريخها من خلال أنابيب مياه تمتد تحت البحر وتصلها بخزانات مياه الشرب على البر الرئيسي للبلد. توجه سكان الجزيرة أنفسهم إلى التشجير وإنشاء الحدائق المنزلية فوق أسطح مباني منازلهم حيث كانوا يزرعون ويغرسون أنواعا من الخضر والفواكه، وفي تلك الحقبة كان معظم سكان الجزيرة يستمتعون بنوع من الرفاهية لم تكن متاحة لهم من قبل، وأصبحت نوعية الحياة عليها أفضل مما كانت عليه على الإطلاق.

غير أن دوام الحال من المحال. بحلول ستينات القرن الماضي، كانت اليابان بصدد إقامة تحول جذري ولكن متدرج نحو استغلال الطاقة من الفحم الحجري؛ إلى البترول، من أجل إشباع الطلبات المتزايدة لاقتصادها الذي لم يعرف انخفاضا في وتيرة نموه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

بدأت على إثر هذا التغيير مناجم الفحم حول البلد تُغلق منجما تلو آخر مع انخفاض الحاجة لخدماتها. صمدت مناجم (هاشيما) في وجه هذا التغيير ما استطاعت من مدة، لكن انخفاض الطلب على الفحم وكذا ارتفاع تكلفة استخراجه بسبب بعده جدا عن السطح جعل شركة (ميتسوبيشي) تبدأ عملية إعادة توزيع العمال ونقلهم إلى فروع أخرى من إمبراطوريتها الصناعية الواسعة.

استمر هذا التغيير إلى غاية سنة 1974 حين أغلقت مناجم (هاشيما) أخيرا وبصورة رسمية. لقد كانت رحلة مشوقة خاضتها المناجم والجزيرة مع الزمن، وخلال السنوات الـ84 التي استغلت فيها هذه
المناجم، استُخرج منها ما يقارب 16.5 مليون طن من الفحم الحجري.

أطلال مهجورة..

أدى غلق مناجم (هاشيما) إلى نزوج وهجرة سريعة وواسعة من الجزيرة التي كانت في يوم من الأيام أكثر كثافة سكانية من العاصمة طوكيو، وذلك لأن الناس اتجهوا كل في حال سبيله بحثا عن مصادر رزق في أمكنة أخرى. كانت هذه الهجرة سريعة جدا، فأضحت (هاشيما) بين ليلة وضحاها من مدينة مكتظة إلى أشبه برفٍ مهجور، هجرها الناس سريعا لدرجة أن الكثير منهم ترك خلفه كل ممتلكاته، كما تُركت معظم معدات التنقيب عن الفحم في المناجم مثلما هي، وتركت المباني والشقق تحت رحمة الزمن والعوامل الطبيعية تعبث بها كيفما شاءت، وكان جزء كبير من ذلك بسبب العبء الكبير والأموال الكثيرة اللازمة من أجل أعمال صيانتها وتنظيفها وحفظها.

عند اقترابك من الجزيرة اليوم؛ قد تبدو لك من مسافة بعيدة كما عهدها السابق، حيث بإمكانك رؤية كل تلك المباني المشيدة من الخرسانة المسلحة التي تعج بها الجزيرة، وبعض المنشآت الصناعية التي تبرز من فوق مياه البحر المحيطة، وباقترابك على مسافة قريبة ترى أخيرا أن ما كان في يوم من الأيام سورا هائلا يحيط بكامل الجزيرة قد طالته آثار العوامل الطبيعية والزمنية وضربات الموج الهائج المتواصلة وجعلته يبدو مهترئا ومتقهقرا.

المصدر : دخلك بتعرف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى